Monday 21 September 2026
البيت المهني البيت المهني
نحو بناء وعي معرفي مهني
جديد
ندوة حوارية تناقش دور النخب والكفاءات الفلسطينية في الانتخابات التشريعية القادمةفريق فلسطيني يتأهل إلى نهائيات مسابقة المحكمة الصورية العربية لحقوق الإنسان في قطرالحق في التعليم، من مناشدة باسم طفلي إلى مبادرة إنقاذ وطنيندوة حوارية تناقش دور النخب والكفاءات الفلسطينية في الانتخابات التشريعية القادمةفريق فلسطيني يتأهل إلى نهائيات مسابقة المحكمة الصورية العربية لحقوق الإنسان في قطرالحق في التعليم، من مناشدة باسم طفلي إلى مبادرة إنقاذ وطني
الأخبار

عنان أصلان يحرس إرث عائلته في صناعة البلاط التقليدي الملون

تفاصيل الخبر

م مدير التحرير 20 September، 2026تحديث 21 September، 2026

نابلس- البيت المهني

في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات من القرن الماضي، أوشكت صناعة البلاط التقليدي على الاندثار، مع بدء استيراد البلاط الحديث من الخارج، وكاد مصنع أصلان للبلاط في مدينة نابلس على إقفال أبوابه بسبب تراجع الإقبال على منتجاته، لكن الشاب عنان أصلان أقنع والده، صاحب المصنع، بعدم الاستسلام لرحى الحداثة التي سحقت الكثير من المهن التقليدية، ونجح بالحفاظ على هذه الصناعة حتى اليوم.

اليوم، يمثّل عنان الجيل الرابع الذي تعاقب على مصنع البلاط داخل عائلة أصلان، ونقل هذه الحرفة إلى أبنائه، وهو الآن يسعى لغرس بذورها في أحفاده، للحفاظ على إرث العائلة وهذا التراث الفلسطيني العريق.

وأوضح عنان أصلان لمجلة “البيت المهني” أن مصنعه ينتج البلاط الملون يدويا، والذي كان يطلق عليه قديما “البلاط الشامي” لأنه كان يصنع حصرا في بلاد الشام التي كانت بلدا واحدا قبل التقسيم، والآن يُطلق عليه البلاط النابلسي لأنه لا يصنع حاليا بنفس الأسلوب إلا في نابلس، وتوقف إنتاجه في كل بلاد الشام.

وقال: “هذه الصنعة أخذناها بالوراثة. منذ عام 1912 والعائلة تعمل في هذا المجال، وكانت نابلس تشتهر بهذه الصناعة وكان فيها 8 مصانع شبيهة على الأقل، وحسب ما نعلم فلا يوجد في فلسطين الآن من يصنع مثل هذا البلاط سوانا”.

ويسعى أصلان للحفاظ على استمرار هذه الحرفة في عائلته، وأضاف: “أنا من الجيل الرابع، ودربت الجلين الخامس والسادس”.

ويشير إلى أن الجيل الخامس اكتسب الحرفة، وبعضهم خريجو جامعات في تخصصات أكاديمية مختلفة، واليوم يسير أبناؤهم على دربهم.

وتابع: “اليوم يأتي الطفل بعمر 6 سنوات بحافلة الروضة، ليلهو ويلعب هنا، ومع أنه لا يصنع شيئا مفيدا، لكن لا يهم.. المهم أن يرتبط بهذا المكان. فهكذا نشأنا في البداية، وهكذا نشأ أبناؤنا، وهكذا نشأ أجدادنا في زمن الكتاتيب”.

ويبين أصلان أن المصنع ينتج البلاط التقليدي الملون فقط، والذي يأتي بقياس 20×20 سنتيمترا، والذي يتمتع بمزايا لا تتوفر في البلاط الحديث.

وتستخدم لصناعة هذا البلاط قوالب نحاسية قديمة متوارثة أباً عن جدّ، ويقول: “لدينا ألف رسمة، كل منها يحمل اسما مميزا؛ فهناك الزنبقة، وهيلا هوب، والبيروتية، والبطيخة، والشنتيرة، والدولاب، والتاج، والنجمة”.

ومن مزايا هذا البلاط أنه كلما استخدم فإنه يزداد تألقا وبريقا، وإذا تُرك وأهمل تبهت ألوانه، لكن بمجرد إعادة استخدامه يستعيد ألقه وبريقه.

ويؤكد أصلان أن هذا البلاط “مكفول لولد الولد”، ويضيف: “عندما نقول للزبون إن بلاطنا مكفول لمدة مفتوحة، فهذا يعني أن كل سنة استخدام تعطيه ضمانا لسنة إضافية”.

أما البلاط الحديث، فرغم جاذبيته ودقة نقوشه، إلا أنه غير مكفول، ومن مساوئه أن جودته تتراجع باستمرار مع كثرة الاستخدام، بعكس البلاط التقليدي.

وأحيانا، يحتاج صاحب منزل قديم عددا محدودا من البلاطات بنفس نقش البلاط القديم الذي صنع قبل 70 عاما، فيلجأ إلى مصنع أصلان لطلب ما يحتاجه وبالكمية التي يطلبها.

كما أن البلاط الحديث تتغير موديلاته باستمرار، وإذا قام صاحب البيت بعمل صيانة بعد سنة واحدة واحتاج إلى عدد من البلاطات بنفس الموديل، فغالبا لن يجد مثله في الأسواق.

وأشار أصلان إلى أن المواد المستخدمة في صناعة البلاط الملون بسيطة جدا ومتوفرة، وهي مشتقة من الحجر الفلسطيني، وأفضل نوع حجر هو حجر جنوب نابلس، مثل جماعين وعصيرة القبلية والذي وصلت شهرته إلى العالمية.

وشرح أصلان سبب غلاء سعر البلاط الملون والذي يصل إلى أربعة اضعاف سعر البلاط المستورد، وعزا ذلك إلى تكلفة اليد العاملة، وليس غلاء المواد الخام.

وقال إن العامل المتمرس ينتج ما بين 70-100 بلاطة في اليوم الواحد، أي ما يعادل 3-4 أمتار مربعة، وأحيانا أقل من هذا العدد بناء على صعوبة النقش المطلوب وكثرة تفاصيله، ومعلوم أن كل المنتجات اليدوية الصنع يكون سعرها أعلى.

ولفت إلى أن بعض أصحاب المحلات أو المطاعم لا يعنيهم البلاط التقليدي، لأنهم يغيرون ديكور محالّهم بشكل متكرر.

وأشار أصلان إلى محاولات تمت لتقليد منتجات المصنع باستخدام صور أخذت من داخل المصنع أو من الكتالوج المنشور على صفحة المصنع. ومع أن المقلدين استخدموا نفس الرسومات وطبعوها على البلاط المستورد، لكن بقيت منتجاتهم مختلفة وليست بنفس الجودة.

ويشعر أصلان بالمتعة وهو يمارس هذه الحرفة التي يعتبر أنها ذات بعد وطني، ويقول: “أي مهنة أو حرفة إذا أحببتها فإنها تحبك وتعطيك”.

ورغم ذلك فهي تستنزف الطاقة الذهنية للعامل أكثر من طاقته الجسدية، فأي خطأ في وضع الألوان في غير موضعها الصحيح، ينعكس سلبا عل صفاء ذهنه ويتعكر مزاجه، فلا يستطيع إكمال يوم عمله.

وعبّر أصلان عن تفاؤله في إقبال الأجيال الصغيرة على اقتناء هذا النوع من البلاط، ويلحظ أن هذه الأجيال أكثر وعيا بقيمة المنتجات التقليدية والتراثية.

وأضاف أن أبناء الجيل السابق ممن عاصروا مرحلة التحول من البلاط التقليدي إلى الحديث، ينظرون نظرة سلبية إلى البلاط التقليدي بوصفه منتجا قديما انتهى عصره، لذا فهم يبحثون عن البلاط الحديث، كما قد يلعب فارق السعر دورا في ذلك.

وبيّن أن مصنعه يستقبل باستمرار الزوار من الأزواج الشابة وطلبة الجامعات والسياح، والذين يبدون انبهارهم بهذا البلاط الفريد.

ويواجه مصنع أصلان صعوبات مستعصية تحول دون تصدير منتجه إلى الخارج، رغم تلقيه طلبات باستمرار.

وقال: “نواجه بعض الصعوبات مع الوزارات والدوائر المعنية، ولكن الاتصالات معهم مستمرة، وقد وعدونا بفتح باب التصدير وتسهيل تصدير بلاطنا كمنتج فلسطيني”.

وأشار إلى أن هناك جهات خارجية عديدة حاولت وعرضت عليه نقل هذه الحرفة التراثية، وأبدت استعدادها لتوفير كل التسهيلات الممكنة، لكنه رفض، وأصر على بقائها تراثا فلسطينيا.