المدرب علاء الجيطان: “نبيع على بصيرة” كيف يمتلك ذوي الإعاقة البصرية مهارات البيع الاحترافي؟
تفاصيل الخبر
نابلس- مجلة البيت المهني
في مبادرة تُعد الأولى من نوعها في فلسطين، أطلقت جمعية رعاية الكفيف في محافظة نابلس، بالشراكة مع المدرب والمستشار علاء راغب الجيطان، برنامجا تدريبيا بعنوان “نبيع على بصيرة”، يهدف لتأهيل ذوي الإعاقة البصرية في مهارات البيع الاحترافي، وتعزيز فرص التشغيل والتمكين الاقتصادي وريادة الأعمال.
ويشارك في البرنامج 22 متدربًا ومتدربة من أعضاء الهيئة العامة للجمعية، بينهم طلبة وخريجون وأصحاب مشاريع ريادية.
والجيطان، مدرب متخصص في مجال التسويق والمبيعات، وهو حاصل على شهادة البكالوريوس في التسويق والماجستير في العلاقات العامة المعاصرة من جامعة النجاح الوطنية، ويتمتع بخبرة عملية تطبيقية تمتد لنحو 25 عاما في هذا المجال، وهو كذلك عضو بمجتمع محترفي المبيعات في الوطن العربي ويمثله في فلسطين منذ خمس سنوات.
وفي حديثه لمجلة “البيت المهني”، أوضح الجيطان أن برنامج “نبيع على بصيرة” جاء استجابةً لاحتياج حقيقي لدى الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، وانطلاقًا من رسالة مجتمع محترفي المبيعات في نشر ثقافة البيع الاحترافي.
وقال إن البرنامج ينسجم مع رؤية مجتمع محترفي المبيعات، والهادفة إلى إعداد جيل من محترفي المبيعات، ونشر ثقافة البيع الاحترافي، وتطوير الكفاءات العربية، بما يسهم في تعزيز فرص التشغيل وريادة الأعمال وتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة.
ويؤكد الجيطان أن المبيعات لم تعد مجرد وظيفة، بل أصبحت مهارة تفتح آفاقًا واسعة للعمل وريادة الأعمال، وأن البرنامج يجمع بين التأصيل العلمي والتطبيق العملي، مع التركيز على بناء الثقة بالنفس، وفهم احتياجات العملاء، ومهارات التواصل والإقناع، وإدارة العملية البيعية باحترافية.
وأشار إلى أن البرنامج لا يقتصر على التدريب فحسب، بل يمتد إلى مرحلة المرافقة المهنية، من خلال التشبيك مع مؤسسات القطاعين العام والخاص، والمساهمة في توفير فرص عمل للمشاركين، ودعم أصحاب المشاريع الريادية في تطوير أعمالهم وتعزيز قدراتهم التسويقية، بما يحول التدريب إلى فرص اقتصادية حقيقية.
وقال: “بعد انتهاء التدريب، سنعمل على التشبيك مع سوق العمل، وسنرافقهم في الشركات التي استعدت لاستقبالهم ليمارسوا التدريب العملي، وهذا يضع تحديا أكبر لإيجاد نموذج كامل لا يتوقف عند التدريب العلمي، فمنهجيتي هي الدمج بين الجانب النظري والجانب العملي، لأنه بدون ممارسة عملية لا تكون هناك نتائج”.
وأضاف: “ضمن رؤية مجتمع محترفي المبيعات، أخذنا على عاتقنا تعزيز مفهوم البيع الاحترافي، كعِلم وممارسة، ومن هنا جاءت فكرة تعزيز الوعي والفهم والتطبيق لمفهوم البيع الاحترافي”.
وأوضح أن فكرة البرنامج تنطلق من فكرة شمولية، وهي أن كل شخص قادر على الاتصال والتواصل فهو قادر على القيام بعملية البيع بشكل كامل، بغض النظر إن كان هذا الشخص طالبا جامعيا أو خريجا أو لديه إعاقة.
منشأ الفكرة
وشرح الجيطان لمجلة “البيت المهني” من أين نشأت فكرة البرنامج، مبينا أن الفكرة ولدت من خلال عمله في المؤسسات التي تقدم الخدمة لعامة الناس، بمن فيهم ذوي الإعاقة، وهو ما منحه خبرة واتصالا وتواصلا معهم، بالإضافة إلى قناعته بأن الإعاقة لا تلغي الطاقة، وأن ذوي الإعاقة يمتلكون من المهارات الكثير، وبالتالي كان لديه الاستعداد لاستهداف ذوي الإعاقة ببرامجه التدريبية.
وأوضح أنه توجه سابقا للاتحاد العام لذوي الإعاقة من أجل تنفيذ هذا التدريب، لكن الظروف اضطرتهم لتأجيل الفكرة، إلى أن التقى بأحد ذوي الإعاقة البصرية في إحدى الدورات، والذي أصبح حلقة الوصل بينه وبين جمعية رعاية الكفيف، لتلتقي رؤيته برؤية الجمعية وينتج عن ذلك هذا البرنامج التدريبي.
وقال: “الجمعية لديها رؤية لتطوير أعضاء هيئتها العامة من خلال دورات تدريبية متنوعة، ونحن لدينا رؤية لتطويرهم في مجال المبيعات”.
وأضاف أنه وضع المحاور الرئيسية للدورة، وقدمها لإدارة الجمعية، والتي رحبت بدورها بالفكرة، وأطلقت البرنامج التدريبي وأعلنت عنه لمن يرغب من هيئتها العامة.
ويدرك الجيطان أن هناك عوائق وتحديات أمام انخراط ذوي الإعاقة البصرية في مهنة المبيعات، لكن هناك فهم ومعرفة لدى هذه الفئة بحاجة لتعزيز، ومن هنا يأتي دوره في هذا البرنامج التدريبي الذي يعالج بعض القضايا المتعلقة في فهم المبيعات.
وأشار إلى أنه عقد لقاء أوليا مباشرا مع الملتحقين بالبرنامج، شارك فيه 22 مشاركا ومشاركة من محافظة نابلس، بينهم طلبة جامعات وخريجون وآخرون لديهم مشاريع قائمة أو أفكار لمشاريع.
وأوضح أن اللقاء كان بهدف استكشاف مدى استعداد المشاركين للانخراط في هذه الوظيفة، وخلاله تعززت قناعته بأن ذوي الإعاقة البصرية يمتلكون من المهارات والقدرات والعزيمة والإرادة ما يمكنهم من تحقيق أهدافهم في حال امتلكوا المهارات اللازمة.
وقال: “استكشفت في اللقاء الأول مدى استعدادهم للعمل في المبيعات، ووجدت لديهم استعدادا عاليا، وهذا ما عزز قناعتي بأنهم يستطيعون وأن ذوي الإعاقة البصرية لديهم القدرة على اتقان هذه الوظيفة وتوفير حياة كريمة ومصدر رزق لهم”.
وأضاف أنه من خلال التواصل الوجاهي معهم، استطاع التواصل معهم بالمشاعر، ورغم أنهم لم يرونه لكنهم شعروا أن لديه طاقة يمنحهم إياها من خلال حاسة السمع، وكان هذا اللقاء كافيا ليشعروا أن هناك من يهتم بهم من خلال عقد دورة للمبيعات خاصة بهم، وفي هذا رسالة تقدير لهم.
وأكد أن هذا البرنامج يحقق هدف الحق في الحصول على الوظيفة وهدف الحق بالوصول إلى العمل، كما أنه يرفع من وعي الشركات بقدرات فئة من ذوي الإعاقة بما يمكنها من تحقيق أهداف الشركات في المبيعات.
وقال: “نحن نحفز الشركات لكي يكون لذوي الإعاقة نصيب من الوظائف فيها ضمن مسؤوليتها المجتمعية، ويتحقق ذلك من خلال استقطاب أشخاص من ذوي الإعاقة يمتلكون المهارات والقدرات اللازمة”.
فاقدو البصر لا البصيرة
وحول المعيقات التي يمكن أن تواجه ذوي الإعاقة البصرية في ممارسة وظيفة المبيعات، بيّن الجيطان أن التدريب يركز على تحليل احتياج الزبون، وتحليل شخصيته، وكيف يتعامل موظف المبيعات مع الزبون حسب شخصيته.
وأضاف أن فاقدي البصر لديهم بصيرة وقدرة أكثر من غيرهم على الشعور بالمحيط من خلال حاسة السمع، وهي أهم حاسة يحتاجها من يعمل في المبيعات، كما أنهم يمتلكون القدرة على تحليل شخصية من يتعاملون معهم من خلال نبرة الصوت.
وأشار إلى أن البرنامج استعان بمجموعة من طلبة تخصص التسويق الرقمي في الجامعة، والذين يدربهم في مجال المبيعات، من أجل مساعدة ذوي الإعاقة في التحول رقميا ومساعدتهم بترويج منتجاتهم في المعارض، وهذا يعمل على التكامل بين طلبة جامعيين متخصصين، ومنتجات ينتجها ذوو إعاقة يواجهون ضعفا بتسويقها.
وقال: “اخترنا ذوي الإعاقة البصرية ليكون هذا البرنامج الأول على مستوى الوطن الذي يسلط الضوء على فئة من ذوي الإعاقة، حتى نبرهن للعالم أن الشعب الفلسطيني يستطيع القيام بأي مهمة توكل له وأننا قادرون على الصمود”.
وأضاف: “نريد ان نبني الوعي وأن نصعد السلم درجة تلو درجة مع ذوي الإعاقة البصرية، حتى نوجد نموذجا من خريجي الدورة تبحث عنهم الشركات وتستقطبهم”.
ويتوقع الجيطان أن يشكل البرنامج نموذجًا وطنيًا رائدًا قابلًا للتطبيق في مختلف المحافظات الفلسطينية، بما يسهم في توسيع فرص التمكين الاقتصادي للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، وترسيخ ثقافة البيع الاحترافي كمسار واعد نحو الاستقلال الاقتصادي والتنمية المجتمعية.
البرنامج التدريبي الأفضل عالميا
وينطلق الجيطان في برنامجه التدريبي الخاص بذوي الإعاقة البصرية مستفيدا من خبرته التدريبية الواسعة في مجال المبيعات، والقائمة على أسس علمية حديثة.
وقال: “لدينا في مجتمع محترفي المبيعات برنامج تدريبي اسمه (غرفة 51) يقدم تدريبا ضمن منهج علمي وليس عشوائيا”.
وحصل هذا البرنامج على أفضل برنامج تدريبي على مستوى العالم لهذا العام، ويطبقه أكثر من 300 عضو منتشرون في أنحاء العالم، وهم من الخبراء المتخصصين في مجال التسويق والمبيعات والممارسين للمهنة، ما يمنحهم القدرة على تقديم الدورات متسلحين بخبرة عملية وبخلفية علمية، والتكامل بين النظرية والتطبيق.
وأنشأ الجيطان قبل 3 سنوات منصة تحمل اسم “سوق عيبال الوطني” لتكون داعما لوصول صاحبات المشاريع إلى الأسواق، وهي اليوم متاحة للشباب وذوي الإعاقة بشكل عام، أذ تتيح لمن يشاركون في التدريبات أن يروجوا لمنتجاتهم عبرها.
وقال: “نسعى من خلال هذه المنصة أن يصل كل صاحب مشروع إلى جمهوره، وتطوير مهاراته وخبراته، ووصول منتجاته للأسواق المحلية والعالمية”.
وأشار إلى أن المنصة تخضع لعملية تطوير مستمرة لكي تخدم طلاب الدورات، وتم مؤخرا إطلاق برنامج “سفراء العلامة التجارية” الذي يمكّن الطلاب، حتى من ذوي الإعاقة، من الدخول في البرنامج التدريبي من خلال المنصة الرقمية.
ووجه رسالة لكل الجهات التي يمكنها دعم نماذج أو مشاريع أو برامج تدريبية، أن يكون هذا ضمن تركيزهم واهتمامهم.
شراكة استراتيجية
وينسجم هذا البرنامج الطَّموح مع رؤية جمعية رعاية الكفيف الجمعية في الاستثمار بقدرات أعضائها، وتنمية مهاراتهم العملية، وإعدادهم لسوق العمل، إلى جانب دعم أصحاب المشاريع الريادية منهم.
ويجسد البرنامج شراكة استراتيجية بين جمعية رعاية الكفيف ومجتمع محترفي المبيعات، تؤكد أن الإعاقة لا تحد من القدرة على الإنجاز، وأن البصيرة عندما تقترن بالعلم والمهارة والإرادة تصنع فرصًا حقيقية للتمكين الاقتصادي.
وترى الجمعية أن الشراكة مع المدرب الجيطان ومجتمع محترفي المبيعات، توفر خبرات مهنية متخصصة تسهم في تمكين ذوي الإعاقة البصرية اقتصاديًا واجتماعيًا.
وجمعية رعاية الكفيف واحدة من أقدم مؤسسات المجتمع المدني في نابلس، فقد تأسست في العام 1955، ومن أهدافها إيجاد فرصة عمل للكفيف ومنع التسول، ورفع المستوى الثقافي والمهني بعقد الدورات التعليمية والمهنية، إلى جانب مساعدة الكفيف الفقير وعائلته بتأمين ما أمكن ماديا وصحيا.
وتنظم الجمعية باستمرار دورات تدريبية وتعليمية، ومن بين الدورات التي عقدتها هذا العام دورة كيفية إعداد السيرة الذاتية، ودورة حول كيفية إنشاء مشروع شخصي مدر للدخل.
كما أطلقت، بالتعاون مع نادي جبل النار، مشروع “آفاق” بهدف تعزيز فرص التشغيل المستقبلية للشابات والشباب المتعطلين عن العمل في محافظة نابلس، من خلال التمكين الاقتصادي والاجتماعي.
وشمل المشروع تطوير وبناء القدرات، من خلال توفير فرص تدريب عملي مدفوع الأجر للشباب من كلا الجنسين في مؤسسات المجتمع المدني، بتمويل من الوزارة الاتحادية الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية BMZ.