الثلاثاء 29 سبتمبر 2026
البيت المهني البيت المهني
نحو بناء وعي معرفي مهني
جديد
ندوة حوارية تناقش دور النخب والكفاءات الفلسطينية في الانتخابات التشريعية القادمةفريق فلسطيني يتأهل إلى نهائيات مسابقة المحكمة الصورية العربية لحقوق الإنسان في قطرالحق في التعليم، من مناشدة باسم طفلي إلى مبادرة إنقاذ وطنيندوة حوارية تناقش دور النخب والكفاءات الفلسطينية في الانتخابات التشريعية القادمةفريق فلسطيني يتأهل إلى نهائيات مسابقة المحكمة الصورية العربية لحقوق الإنسان في قطرالحق في التعليم، من مناشدة باسم طفلي إلى مبادرة إنقاذ وطني
قلم مهني

من الذي يقيم الكتب المدرسية الفلسطينية؟

تفاصيل الخبر

م مدير التحرير 28 أغسطس، 2026تحديث 28 سبتمبر، 2026

بقلم: د. أسماء الشرباتي، أكاديمية وناشطة مجتمعية

 يشكل الاتحاد الأوروبي أكبر ممول للسلطة الفلسطينية، ويقوم بتقييم المناهج الفلسطينية بشكل دوري ويفرد لجانا خاصة تقوم بهذا الدور وتكتب تقريريا تفصيليا بما تراه مناسبا، وبناء على هذه التقرير يلوح الاتحاد أو بعض الدول الأوروبية فيه بالضغط على السلطة الفلسطينية بملف قطع التمويل في حال عدم الاستجابة للمعايير التي تضعها هذه اللجنة، والكتب المدرسية هي شرط أساسي متعلق باستمرار أو عدم استمرار التمويل.  ففي السنوات الثمانية الأخيرة على أقل تقدير، قام الاتحاد الأوروبي بتكليف مؤسسة جورج إيكرت George Eckrt Institute GET بدراسة وتقييم الكتب المدرسية الفلسطينية وفحص بعض المفاهيم والمواضيع داخلها، أغلبها متعلق بمدى التزام السلطة الفلسطينية بمعايير اليونيسكو حول المناهج التعليمية.  ومعايير اليونيسكو لا تتوقف فقط عند مفردات التنمية المستدامة أو حقوق الانسان، وإنما في تعريف كيف تصبح الكتب المدرسية بالعموم كتبا للسلام وآليات نبذ العنف التي سوف تحويها هذه الكتب. وهي معايير ربما لا يصعب تحقيقها في نسبة كبيرة من بلدان العالم المقتنعة بها، لكنها تشكل تحديا خاصا للشعوب المستعمرة كالشعب الفلسطيني، في كيفية تعريفه للآخر، وتعريفه لأدوات الدفاع عن الأرض المسلوبة وفي تعريف من يقومون بذلك، ومن يموتون لأجل ذلك.

أصدرت المؤسسة عدة تقارير حول الكتب الفلسطينية، أهمها تقرير صادر في ال 2018 انتقد الكتب المدرسية بقوة. ثم أصدرت تقريرا في 2021 تتحدث فيه عن مدى تقييم استجابة المؤسسة الرسمية الفلسطينية للتغييرات التي طلبتها منها في التقرير السابق. لن أتحدث كثيرا عما قرأته في التقرير. وقد أشاد التقرير بتعاطي إيجابي من قبل الجانب الفلسطيني في العمل على العديد من التعديلات المذكورة _والتي يتمثل أغلبها في مفاهيم لها علاقة بالمقاومة والشهادة والكفاح بكافة أنواعه السلمية والمسلحة_ مع استمرار انتقاده للكثير من الأمور الأخرى أيضا.

ما أرغب في التركيز عليه من خلال هذا التقديم هو تسليط الضوء على أهمية ملف الكتب المدرسية الفلسطينية بالنسبة للمانح الدولي، وخطورة حساسية ما يكتب فيها بالنسبة له، وبأن هذه الحالة ليست الأولى التي يظهر فيها التدخل الدولي جليا فيما يتعلق بمحتوى الكتب الفلسطينية، وللملف تاريخ طويل في دراسة وتحليل وانتقاد منذ أولى سنوات كتابة وتشكيل منهاج فلسطيني كامل عام 2000.

 فقد بدأ انتاج المنهاج الفلسطيني الأول وصدر بنسخته الأولى في أيلول عام 2000 للصف الأول والسادس؛ وتم بعدها إصدار الكتب المدرسية لصفين دراسيين في كل عام جديد؛ الصف الثاني والسابع في 2001، الصف الثالث والثامن في 2002، الصف الرابع والتاسع في 2003 وهكذا إلى أن اكتملت مهمة إصدار الكتب المدرسية بشكل كامل عام 2007 (Moughrabi 2001, 7). وابتدأ مع صدور الكتاب الأول جدل دولي كبير، وبدأت تنهال العديد من التقارير الإسرائيلية والأوروبية والأمريكية لدراسة وتقييم شكل تمثيل الكتاب للاحتلال وطبيعة العلاقة معه، ومدى جدية الكتاب المدرسي في التعبير عن اتفاقيات السلام، وضبط “العنف”، بل ومطالبة التعامل مع الاحتلال ككيان مجاور له حقوق يجب اتباعها (Pina 2005).

أشهر هذه التقارير هو التقرير الذي صدر عن مؤسسة ذات نفوذ إسرائيلي كبير: “مركز مراقبة تأثير السلام ” CMIP Center of Monitoring the Impact of peace ، وهو أول تقرير صدر لتقييم الكتب الفلسطينية فور إتمام النسخة التجريبية الأولى عام 2000 (ولم يكن قد صدر حينها سوى كتابين فقط، للصف الأول والسادس). وقد كتبه ماركوس إيتامار وهو مستوطن إسرائيلي يعيش في مستوطنة إفرات (Brown  2001, 3). مشيرا إلى معلومات تؤكد غياب إرادة السلطة لإحقاق السلام بين الطرفين على حد وصفهم والتحريض على نشر الكراهية والعنف وإلغاء شرعية الوجود الإسرائيلي  (Hovsepian 2008, 159). هذا التقرير كما يشير المغربي هو نتاج مشروع شراكة بحثية بين مركز السلام  CMIPمع معهد “هاري ترومان لأبحاث تعزيز السلام ” “Harry S. Truman Research Institute” التابع للجامعة العبرية. وهي شراكة أضفت للتقرير طابع الأهمية والقوة الأكاديمية (Moughrabi 2001, 8) (حمدان 2010، 65).

وقد كان للتقرير صدى واسع على الصعيد السياسي خصوصا في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا. وأصبح المرجع الأساسي لأي تقرير يناقش موضوع الكتب المدرسية باللغة الانجليزية، وأصبح مرجعا للدوائر الرسمية والخطابات الرئاسية وأعمدة مقالات الجرائد في الولايات المتحدة الأمريكية .(Brown 2001, 3) وبنيت العديد من القرارات السياسية على التقرير مع عدم الرجوع إلى الكتب الفلسطينية التي أثارت كل هذا الصخب. ومن الواضح أنه تم استخدام أمثلة فيها وتفاسير بشكل يخدم الطرح الإسرائيلي وبني عليه العديد من قرارات المانحين ومواقفهم تجاه قطع الدعم عن المناهج الفلسطينية، وقد شمل التأثير برلمانيين أوروبيين حاولوا التأثير على حكوماتهم والإتحاد الأوروبي بشكل عام لأخذ موقف تجاه تلك المناهج. كما وأصبح مادة يقدم لها النقد في الأمم المتحدة (Moughrabi 2001) (Mazawi 2011) (Murray 2008) (Nicoli 2007. وفي أول ردة فعل دولية بعد صدور التقرير أعلنت الحكومة الإيطالية أحد الجهات المانحة البارزة في دعم مركز تطوير المناهج، مؤكدا للسلطة الفلسطينية عن عزمه إيقاف دعم المناهج الفلسطينية بعد الآن. وقد قام البنك الدولي أيضا بتحويل الأموال التي خصص رصدها لتطوير المناهج وتدريب المدرسين إلى مشاريع أخرى. ووقف أغلب المانحين للمناهج الفلسطينية أمام خيارين وهو أما التوقف عن الدعم أو إعادة توجيه الدعم إلى قطاعات اخرى كبناء المدارس وليس تطوير المناهج (Murray 2008, 42). والدولة الوحيدة التي استمرت في المشروع دون انقطاع هي بلجيكا (أبو الحمص 2008، 509).

 لم تتوقف أصداء التقرير الإسرائيلي عند هذا الحد، فقد ذهبت هذه القضية أيضا إلى البرلمان الايطالي والفنلندي والايرلندي والاتحاد الأوروبي إضافة إلى كيانات تتبع للأمم المتحدة. وقد استخدمت سكرتيرة الولايات المتحدة مادلين أولبرايت العديد من الخطوط الرسمية لضمان توقف البنك الدولي واليونيسكو عن دعم هذه المناهج. وطلب الكونجرس الأمريكي من الأمم المتحدة  التوقف عن استخدام الكتب في المدارس التي تتبع لسلطتها (يقصد هنا مدارس الاونروا) Murray 2008, 42)) (Moughrabi 2001, 8). وقام الرئيس الأمريكي آنذاك بيل كلينتون في ملتقى السياسات الاسرائيلية Israel policy forum  في نيويورك 2001 بتصريح يطالب فيه الفلسطينيين بالتخلص من ثقافة العنف والتحريض التي يمارسونها ضد إسرائيل في تعليمهم (Moughrabi 2001, 8). وبعد ستة أشهر تقريبا قامت هيلاري كلينتون السيناتور الأمريكي والمضطلعة بحكم متابعة المانحين الأمريكان لمحتوى الكتاب بعقد مؤتمر في نيويورك مع السيناتور تشارلز تشومر Charles Schumer  لنقد الكتب المدرسية الوطنية الفلسطينية والاشارة إلى أنها شديدة الكراهية ومعادية للسامية (Moughrabi 2001, 8) Murray 2008, 42) )، معتمدين على تقرير مركز السلام لمباشرة النقد والتهديد، لا على تقاريرهم التي كانت تتابع بصفتهم ممول خط إعداد المنهاج من بداياته.

وهنا يجدر التأكيد بأن الكتب المدرسية الفلسطينية كانت وستبقى مسرحا للصراع الدولي، ومصدرا مقلقا للمانحين في مستوى احتوائها على مواد تراها العيون الدولية تحريضية ولا تخدم السلام في المنطقة.  ويبقى السؤال الآن موجها للمؤسسات الفلسطينية التعليمية والحكومة الفلسطينية بالعموم، وهي أكبر المدركين لحجم الضغط والتأثير التي يمارس عليها من قبل المانحين الدوليين لتغيير وتعديل الكتب المدرسية، إن كان يتوفر لديها خطوط حمراء للحد الذي سوف تقف فيه وتمنع المزيد من العبث والتدخل والمطالبة بالتغيير؟

المراجع:

Brown, Nathan. 2001. “Democracy, History,and the contest over the palestinian curriculum.” Adam Institute 1-26.

Hovsepian, N. 2008. Palestinian state formation: Education and the construction of national Identity. Newcastle: Cambridge Scholars.

Mazawi, Andre Elias. 2011. “”Which Palestine Should we Teach”? Signatures, Palimpsetes, and Srtuggles over school textbooks .” Springer 169-183.

Moughrabi, Fouad. 2001. “The Politics of Palestinian Textbooks.” Journal of Palestine studies 5-19.

Murray, Helen. 2008. “Curriculum Wars: national identity in education .” London Review of Education 39-45.

Nicolai, S., 2007. Fragmented Foundations: education and chronic crisis in the Occupied Palestinian Territory. London: UNESCO International Institute for Educational Planning & Save the Children.

Pina, Aaron. 2005. Palestininan Education ad Debate over Textbooks . unclassified, Washington DC: CRS Report of Congress .

آيات حمدان. 2010. المساعدات الخارجية وتشكيل الفضاء الفلسطيني. رام الله : مركز بيبسان للبحوث والإنماء.

نعيم أبو الحمص. 2008. “المناهج الفلسطينية- قصة الألف ميل.” تأليف المنهاج الفلسطيني إشكالات الهوية والمواطنة، بقلم عبد الرحيم الشيخ، 505-514. رام الله: مواطن، المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية.